عبد الملك الجويني
304
نهاية المطلب في دراية المذهب
فيها استعقابَ الرّجعة ، وليس كما لو وقعا في الرق . وحكى الشيخ عن بعض الأصحاب وجهاً بعيداً أنها تحرم عليه ؛ لأن الحرية لم تتقدم على الطلاق . وهذا على نهاية الضّعف . وإذا فرعنا على ما أفتى به ابن الحداد ، وهو المذهب الذي لا يجوز غيره ، فلو قال العبد لزوجته : إذا مات سيّدي ، فأنت طالق ( 1 ) في آخر جزء من حياته ، وقال السيد : إذا مت ، فعبدي هذا حرّ ، فالطلاق يقع في زمان الرق ، ولا رجعة ؛ فإن الرّجعة لا تثبت بعد الطلاق ، وإنما تثبت حيث تثبت مع الطلاق ، ومعنى وقوع الطلاق في الرق وقوع الحرمة الكبرى ، وهذا يناقض ثبوتَ الرجعة لا محالة ، وهذا ذكرناه على وضوحه ؛ ليقطع وهمَ من يظن أن وقوع الطلاق يستعقب الرجعة ، وقد يطلق الفقهاء ذلك ، وهو تجوّز منهم ، والتحقيق ما نصصنا عليه . فرع : 9286 - لو تزوج الرجل بجارية أبيه ، وعلّق طلاقها بموت الأب ، فإذا مات ، لم يقع الطلاق على ظاهر المذهب ؛ لأن الملك يحصل في الرقبة ، وحصوله يتضمّن انفساخ النكاح ، فلو وقع الطلاق ، لكان واقعاً على مملوكته ، وهذا محال . وأبعد بعض أصحابنا ، وقال : يقع الطلاق . وهذا وهمٌ وغلط ، وإنما تخيّله من صار إليه ؛ من حيث اعتقد أن الملك يحصل مع الموت ، والانفساخُ يترتب عليه ( 2 ) ، كما يشتري الرجل من يَعْتِق عليه ، فيملكه في لحظة ، ثم يعتِق عليه ، فظنّ ظانّون أن الانفساخ مع الملك كذلك يكون ، وليس الأمر كذلك ؛ فإن الانفساخ يحصل مع الملك ، والملك مع النكاح يتعاقبان تعاقب الضّدين ، وليس كما وقع الاستشهاد به ؛ فإنا قدّرنا ملك القريب اضطراراً ليصحّ العقد ، وهاهنا لا ضرورة إلى مناقضة الحقائق والقياسِ ، ولا تناقض في الحكم بالملك والفسخ جميعاً ؛ فإن الملك سيبقى بعد الانفساخ مطرداً . وقد قال أبو إسحاق المروزي : من اشترى قريبه ، حصل الملك والعتق معاً .
--> ( 1 ) فأنت طالق : أي طلقتين ، كما هو أصل المسألة التي نفرع عليها . ( 2 ) يعني أن الملك يقع أولاً ، فإذا وقع الملك ، وقع الطلاق المعلق عليه ، قبل أن يقع الفسخ المترتب على الملك .